قطب الدين الراوندي

320

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

باديا ، وأستهديه قريبا هاديا ، واستعينه قاهرا قادرا ، وأتوكل عليه كافيا ناصرا . وأشهد أن محمدا صلى اللَّه عليه وآله عبده ورسوله ، أرسله لانفاذ أمره ، وانهاء عذره ، وتقديم نذره . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الذي ضرب [ لكم ] ( 1 ) الأمثال ، ووقت لكم الآجال ، وألبسكم الرياش ، وأرفع لكم المعاش ، وأحاط بكم الاحصاء ، وأرصد لكم الجزاء ، وآثركم بالنعم السوابغ والرفد الروافع ، وأنذركم بالحجج البوالغ ، فأحصاكم عددا ، ووظف لكم مددا ، في قرار خبرة ودار عبرة ، وأنتم مختبرون فيها ومحاسبون عليها . فان الدنيا رنق مشربها ، ردغ مشرعها ، يونق منظرها ، ويوبق مخبرها . غرور حائل ، وضوء آفل ، وظل زائل ، وسناد مائل . حتى إذا أنس نافرها واطمأن ناكرها ، فمصت بأرجلها وقنصت بأحبلها ، وأقصدت بأسهمها ، وأعلقت المرء أو هاق المنية قائدة له إلى ضنك المضجع ووحشة المرجع ومعاينة المحل وثواب العمل . وكذلك الخلف بعقب السلف ، لا تقلع المنية اختراما ، ولا يرعوي الباقون اجتراما ، يحتذون مثالا ، ويمضون ارسالا ، إلى غاية الانتهاء وصيور الفناء . حتى إذا تصرمت الأمور ، وتقضت الدهور ، وأزف النشور ، أخرجهم من ضرائح القبور ، وأوكار الطيور ، وأوجرة السباع ، ومطارح المهالك ، سراعا إلى أمره مهطعين إلى معاده ، رعيلا صموتا قياما صفوفا ، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي عليهم لبوس الاستكانة وضرع الاستسلام والذلة ، قد ضلت الحيل فانقطع الأمل ، وهوت الأفئدة كاظمة ، وخشعت الأصوات مهينمة ، وألجم العرق ، وعظم الشفق ، وأرعدت الاسماع لزبرة ، الداعي إلى فصل الخطاب ومقايضة الجزاء ، ونكال العقاب ونوال الثواب .

--> ( 1 ) في يد .